كتبه الدكتور إيلون كاسبي
سيقيم نحو 40% من عامة السكان، في مرحلة ما من حياتهم، في مؤسسة للرعاية طويلة الأمد. ماذا تودّ أن يعرف مقدّمو الرعاية عن حياتك إذا استلزمت حالتك الصحية والوظيفية و/أو الإدراكية أن تقيم في إطار الرعاية هذا؟
وراء كبار السن الذين يعانون من فقدان الذاكرة، كما وراء كل إنسان، تاريخ حياة غني. ومن الحقوق الإنسانية للأشخاص الذين يعانون من فقدان الذاكرة أن يكونوا برفقة أشخاص يعرفون ماضيهم. إن تطوير علاقة قريبة وقائمة على الثقة مع الأشخاص الذين يعانون من فقدان الذاكرة هو أساس تقديم رعاية متمحورة حول الشخص. ومعرفة تاريخ حياة الشخص وفهمه واستخدامه هي مفتاح بناء علاقات قائمة على الثقة والحفاظ عليها.
- السبيل الوحيد إلى فهم الشخص فهمًا حقيقيًا وشموليًا في المراحل المتأخرة من حياته هو النظر إليه من منظور ممتد عبر مسار حياته، بما في ذلك معرفة أحداث مهمة في حياته منذ الطفولة المبكرة ومرحلة الرشد المبكر.
- تبقى الذاكرة طويلة الأمد محفوظة نسبيًا حتى المراحل المتقدمة من أمراض الخرف. وللحفاظ على هوية الشخص، ينبغي التركيز على الذكريات والتجارب الإيجابية من المراحل المبكرة من حياته. وتستند الرعاية الفعالة للأشخاص الذين يعانون من فقدان الذاكرة إلى التركيز على قدرات الشخص المحفوظة نسبيًا، لا على القدرات التي فُقدت ولم تعد موجودة، مثل الذاكرة قصيرة الأمد.
- تحدث الخسائر الوظيفية والحركية والسلوكية لدى الأشخاص الذين يعانون من فقدان الذاكرة، إلى حدّ ما، بترتيب معاكس لترتيب تطورها الأصلي. فالقدرات الوظيفية والمهارات والأنشطة التي اكتسبها الشخص وتعلّمها في المراحل المبكرة من حياته تبقى محفوظة نسبيًا في المراحل المتقدمة من الخرف، مثل القدرة على الشعور بالدفء والمحبة، والاستمتاع بلمسة تمنح إحساسًا بالأمان (العناق أو المداعبة)، والاستمتاع بالموسيقى المحببة (الغناء والحركة والرقص والقرع على إيقاع أساسي)، والشعور بالمتعة عند مداعبة حيوان أليف محبوب، والاستمتاع بطعام أو شراب مفضّل، والاستمتاع بالطبيعة وبروائح مهدئة مثل اللافندر.
- إن معرفة تاريخ حياة الشخص بأكبر قدر ممكن من التفصيل تتيح لمقدّمي الرعاية التواصل معه بفاعلية وبطريقة داعمة عاطفيًا، وتجنّب موضوعات و/أو أحداث حياتية تسبب له ألمًا عاطفيًا. كما تتيح هذه المعرفة لمقدّمي الرعاية التعامل بتعاطف مع الشخص عندما يتذكر أحداثًا سلبية من ماضيه، من خلال تقبّل هذه المشاعر والإقرار بها. وتساعدهم أيضًا على فهم المعنى الكامن في مضمون كلام قد يبدو ظاهريًا غير مترابط أو غير منطقي، مثل مقيم يطلب من طاقم الرعاية أن يحضر له «التوربيدو» الخاص به، وهو اللقب الذي استخدمه لسنوات للإشارة إلى جهاز السمع الخاص به.
- تتيح معرفة تاريخ حياة الشخص التخطيط لأنشطة ثرية وملائمة وذات معنى وتشجيعه على المشاركة فيها وإشراكه بها، استنادًا إلى اهتماماته وهواياته وتفضيلاته وقدراته الحالية.
- تتيح معرفة ماضي الشخص فهم المعنى والحاجة الإنسانية الكامنين وراء سلوكه التفاعلي. وتُظهر الدراسات وخبرة المهنيين في الميدان أنه كثيرًا ما توجد صلة بين أحداث سلبية من الماضي البعيد للشخص الذي يعاني من فقدان الذاكرة، مثل تجارب تهدد الحياة وصدمات نفسية، وبين مضمون السلوكيات التفاعلية و/أو الضائقة العاطفية في الحاضر. فعلى سبيل المثال، خلال نشاط جماعي كان فيه المقيمون يزرعون أزهار التوليب، شحب أحد المقيمين المسنين فجأة، وبدأ يرتجف ويتنفس بصعوبة ويضرب مقيمًا آخر. واتضح أنه عندما كان جنديًا شابًا في الحرب العالمية الثانية، قُتل بعض رفاقه في الفصيلة على يد العدو بعد أن وجدوا أنفسهم في حقل مفتوح من أزهار التوليب، وأن الضائقة الفسيولوجية والعاطفية التي عانى منها نتجت عن رؤيته للتوليب (غونستون، 2000).
- تتيح معرفة ماضي الشخص الذي يعاني من فقدان الذاكرة تطوير خطة رعاية شخصية تحترم قيمه. وينبغي أن تراعي خطة الرعاية معتقداته وعاداته وطرقه في التعامل مع التحديات طوال حياته وإنجازاته وإخفاقاته وتوقعاته واهتماماته ومهاراته الفريدة التي ما تزال محفوظة وتفضيلاته. كما أن معرفة المصادر التي استمد منها الشخص مشاعر الأمل والأمان والفخر طوال حياته تتيح تعزيز هذه المشاعر في الحاضر أيضًا. ومعرفة الأمور التي منحت حياته قيمة، من وجهة نظره، أو جعلته يشعر بأن حياته كانت ذات معنى في الماضي، تتيح التخطيط لتجارب وخبرات ذات طابع مشابه بما يتلاءم مع قدراته الحالية. وفي المقابل، فإن معرفة العوامل التي أثارت لديه القلق والخوف كما عاشها في شبابه وعلى امتداد حياته تتيح للأشخاص الذين يتعاملون معه يوميًا في الحاضر تجنّب المواقف والمحادثات والأنشطة التي تثير هذه الحالات العاطفية السلبية.
- تتيح معرفة الخصائص المادية المميزة للأحداث ولأماكن سكن الشخص في شبابه وعلى امتداد حياته التخطيط لبيئة مادية مألوفة وتصميمها بما يمنحه في الحاضر شعورًا بالانتماء والأمان.
- تتيح المعرفة المسبقة توقّع جزء كبير من احتياجات الشخص الفسيولوجية والنفسية والاجتماعية والروحية، وتلبيتها بصورة استباقية قبل أن تتطور إلى حالات من الضائقة العاطفية. وتُظهر دراسات كثيرة أُجريت على كبار السن الذين يعانون من فقدان الذاكرة أن احتياجات الشخص التي لا تُلبّى فورًا وبشكل ملائم تسهم في نشوء معظم السلوكيات التفاعلية.
- يرغب كثير من أفراد الأسرة في البقاء مشاركين في رعاية أقاربهم بعد الانتقال إلى مؤسسة للرعاية طويلة الأمد. وتتيح معرفة الماضي البعيد للمقيم لطاقم الرعاية تعزيز العلاقة مع أفراد أسرته. ويجب جمع المعلومات عن ماضي الشخص من أفراد أسرته وأصدقائه بطريقة منظمة وشاملة ومفصّلة، ليس فقط أثناء إجراءات القبول في المؤسسة، وهي فترة يكون فيها كثير من أفراد الأسرة مثقلين عاطفيًا، بل أيضًا طوال مدة إقامته فيها.
- يمكن أن تسهم معرفة الماضي الغني لكبار السن الذين يعانون من فقدان الذاكرة في الحد من التصورات القائمة على التمييز العمري والخرافات المتعلقة بهم. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي تبنّي طاقم الرعاية لتصورات تمييزية على أساس العمر بشأن المقيمين في مؤسسات الرعاية التمريضية إلى إساءة نفسية و/أو جسدية إليهم. كما تتيح هذه المعرفة التعامل مع المقيم بتعاطف وجعله يشعر بأنه معروف ومقدَّر.
- إلى جانب الرعاية اليومية للمقيم، فإن معرفة ماضي الشخص وقيمه وطلباته التي عبّر عنها خلال حياته بشأن الطريقة التي يريد أو لا يريد أن يتلقى بها نوعًا من الرعاية في نهاية حياته، بما في ذلك عبر إعداد توجيهات طبية مسبقة، يمكن أن تساعد على احترام طلباته.
ختامًا، من المهم جدًا الحفاظ بدقة على سرية المقيمين وخصوصيتهم أثناء جمع المعلومات عن ماضيهم وتخزينها، وفي جميع الأوقات طوال إقامتهم في المكان.